سميرة مختار الليثي
54
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
فصاروا يحتاطون له « 1 » . ويبدو أنّ العبّاسيّين أنفسهم رأوا ألّا يقتصروا على الاعتماد على هذا التّنازل الّذي أقدم أبو هاشم عليه ، ورأوا أنّه لا بدّ لهم من التّذرع ببعض الأسانيد الشّرعيّة قبل أن يقدموا على العمل لنقل الخلافة إليهم ، فأذاعوا بين المسلمين أنّهم من سلالة العبّاس بن عبد المطلب عمّ النّبي ، كما ادعوا أنّ الخلافة تصير إلى العمّ إذا لم يكن هناك وارث ذكر . وهكذا نظروا إلى الخلافة على أنّها تركة تركها النّبي تورث وينطبق عليها أحكام الميراث « 2 » . وخير ما يصور رأي الزعماء العلويّين ، من غير فرع محمّد بن الحنفيّة ، تلك الرّسالة التّي بعثها محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ ، المعروف بالنّفس الزّكيّة ، إلى الخليفة العبّاسيّ الثّاني أبي جعفر المنصور ، فقد جاء فيها : « فإنّ الحقّ حقّنا ، وإنّما أدّعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا ، وحظيتم بفضلنا ، وإنّ أبانا عليّا كان الوصي وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده ؟ أحياء ؟ » « 3 » . وكتب المنصور ردّا مطولا على رسالة محمّد النّفس الزّكيّة ، فلم يشر إلى تنازل أبي هاشم لمحمّد بن عليّ العبّاسيّ ، وإنّما استند في الحجج التّي ساقها لتفضيل العبّاسيّين على العلويّين على أنّ العبّاس هو وارث النّبي ، وليس عليّ بن أبي طالب ، فكتب المنصور : « وأمّا قولك أنّكم بنو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابة : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ « 4 » ، ولكنّكم بنو ابنته ، وإنّها لقرابة قريبة ، ولكنّها لا تجوز الميراث ، ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة ،
--> ( 1 ) انظر ، الجومرد ، أبو جعفر المنصور : 46 . ( 2 ) انظر ، جمال سرور ، الحياة السّياسية في الدّولة العربيّة الإسلاميّة : 172 . ( 3 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 195 - 196 . ( 4 ) الأحزاب : 40 .